بعد سقوط الأندلس المريع على يدي فرديناند و ايزابيلا و جنودهما الهمج المتوحشين، و بعد طرد المسلمين من جنان أمجادهم و مراتع حضارتهم، اتجه الاسبان ممتلئين بنشوة النصر و عزة الطغيان إلى ما وراء البحر من بلاد المغرب العربي مستغلين الآثار النفسية لنكسة ذبول غرناطة : غصن الأندلس الرطيب.
و استطاعوا أن يحتلوا المرسى الكبير في غرب الجزائر عام 911 هـ ثم مليلة و بجاية و طرابلس و وهران و غيرها من مدن الساحل الإسلامي، لتكون قواعدا لجيوشهم في خطوة تسبق احتلال ما يمكن احتلاله من بلاد المسلمين و نهب ما يمكن نهبه من ثرواتهم ، بل أن آمالهم و خططهم كانت بعيدا هناك : احتلال مدينتي الإسلام المقدستين و نبش قبر نبيهم صلى الله عليه و سلم.
لكن فتاة أندلسية كانت ممن اخرجوا من ديارهم و أموالهم عاهدت نفسها أن تغرس في نفسي ابنيها حب الجهاد في سبيل الله و حماية ديار الإسلام و دماء المسلمين لئلا تتكرر فاجعة غرناطة. و كان نتاج هذه التربية رجلا من صناديد الرجال و شجاعا خلع قلب أوروبا بأسرها ،واجه أهوال البحر الجبارة و جيوش الصليب الجرارة في ثبات منقطع النظير و عبقرية حربية فذة مع ما عاناه من خيانة بعض بني جلدته و دينه حين تلقى أشنع طعنة في ظهره و أعمق جرح في فؤاده بعد أن حاصر الأسبان عام 924هـ تلمسان و قتلوا أخاه القائد المحنك و المقاتل الشرس : عروج .. و سوى الروم خلف ظهرك روم.
كان (عروج) و (خير الدين) هما ابنا يعقوب بن يوسف التركي من تلك الأندلسية الفريدة ، واستطاع هذان الأخوان أن يكونا مجموعة بحرية صغيرة من عدة سفن لرد عدوان القراصنة الصليبيين الذين طغوا في البلاد و عاثوا في البحر الفساد ينهبون سفن المسلمين و يتخذون من عليها عبيدا و أسرى .
و بعد أن علا صيت هذين الأخوين و اشتهرت انتصاراتهما العديدة على قراصنة الأسبان و البرتغال ،وهبهم السلطان الحفصي جزيرة جربة التونسية لتكون مركزا لهجماتهم و قاعدة لجيشهم البحري فأثمرت هذه عن توقف سياسة الأوربيين البحرية بعد أن استعادا ميناء بجاية الجزائري.
بعد مقتل أخيه عروج :استنجد خيرالدين بالسلطان العثماني سليمان القانوني فبعث إليه بألفي مقاتل من الانكشارية الأشداء مع بعض المدفعيات ثم أعلن خير الدين دخوله في رعية السلطان العثماني و تحت سلطانه عام 926هـ متنازلا عن أمارته و زعامته في سبيل إعلاء كلمة الله و الدفاع عن بيضة الدين و دماء المسلمين و كان رحمه الله رابط الجأش في أحلك المواقف و أصعبها حين يهيج البحر و يغضب و تزمجر السماء و تقصف مع حصار العدو و قذائفه التي تتناثر عن يمينه و شماله وهو يردد على جنده في ثبات قول الله عزو جل : (إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم). و لاينسى التاريخ أبدا موقفه البطولي حين أنقذ 70 ألف أندلسي من سوء عذاب النصارى فنقلهم على سفنه سنة 936 هـ إلى شمالي أفريقيا.
استدعى سليمان القانوني خير الدين لا سطنبول و عينه قائدا عاما للأسطول العثماني و عهد إليه بإعادة تنظيم الأسطول وبناء السفن ثم أوكل له مهمة ضم تونس تحت جناح العثمانيين ، وبعد أن سيطر عليها خير الدين فر أميرها الحفصي المسلم الخائن إلى أسبانيا و باع دينه بعرض من الدنيا قليل إذ أشار على شارلكان أن يحتل تونس و يعينه عليها و تعهد هذا الخائن لشارلكان أن يناصب العثمانيين العداء و يحاربهم في شمال أفريقيا و أن يكون عونا و ظهيرا لفرسان القديس يوحنا و أن يتحمل كذلك نفقات ألفي ذئب من جنود الأسبان لحماية الغنم من راعيها .. فما أشبه الليلة بالبارحة.
حشد شارلكان أساطيله و احتل تونس عام 942 هـ فيما تراجع العبقري خير الدين بربروسا إلى الجزائر لينقض في التفاف ذكي على جزر البليار المهمة و المليئة بالذهب و الفضة و العبيد فكانت ضربة موجعة مفاجئة اهتزت لها أوروبا بأسرها وكان الخبر الأليم و النبأ المفجع قد وصل إلى روما في غمرة الأحتفالات باحتلال تونس. فأصبح بربروسا بعدها شبحا و رعبا قذفه الله في قلوبهم و هما وغما على أفئدتهم لفترة طويلة حتى أنه إذا تحركت ريح أو سمعوا صوتا قادما من البحر علا صراخهم و عويلهم بأن بربروسا قادم فيفر السكان من ديارهم و مزارعهم و متاجرهم ، وحتى ان الأمهات الأوربيات يخوفن أولادهن ببربروسا ذو اللحية الحمراء بأراجيز و أشعار اشتهرت في أدبيات تلك الفترة.
استجابت أوروبا كلها و احتشدت لنداء البابا بعد تلك الفاجعة التي زلزلت قلوبهم للقضاء على خير الدين بربروسا، فتكون تحالف صليبي من 600 سفينة تحمل 60 ألف جندي تحت قيادة أعظم قائد عسكري بحري أوروبي هو “اندريا دوريا”و كان في الجهة المقابلة المجاهد المؤمن و العبقري المحنك بربروسا مع 122 سفينة و 20 ألف جندي والتقى الأسطولان العظيمان في بروزة عام 945 هـ. و كانت 5 ساعات كافية لهذا العبقري أن يفرق سفن أوروبا و يحطمها ليهرب قائدهم و يترك جيشه المنهار بين هول البحر و أهوال بربروسا.
وغدا بربروسا بعد هذا النصر العظيم سيد البحر المتوسط بلا منازع ..
وأمر السلطان العثماني سليمان القانوني بإقامة الاحتفالات و الأفراح في أنحاء الدولة ..
فيما ترسخ الرعب و الهلع و الفزع في نفوس الصليبيين ..
و أصبح اسم “بربروسا” كافيا لأن يخلع قلب أعتى رجالات أوروبا ..
وصارت كل بقعة في البحر المتوسط شاهدة على عظمة و عبقرية هذا القائد الفذ الذي اختار أصعب ميادين الحرب في مرحلة من أصعب مراحل التاريخ ..
لكن أعظم قائد عسكري بحري الذي كان يطلب الشهادة حياته كلها مات على فراشه في اسطنبول عام 953 هـ و كأنه بذلك يقتفي أثر أعظم قائد بري خالد بن الوليد رضي الله عنه ..
فلا نامت أعين الجبناء ..


20 comments
Comments feed for this article
نوفمبر 28, 2008 في 9:50 م
تركي الشريف
رحمه الله رحمة واسعه..
اللهم اجبرمصابنا فيه واخلف لنا خيرا منه..
نوفمبر 29, 2008 في 10:18 ص
نادر ..
مرحبا تركي ..
و اجبر مصابنا -اللهم- في أمة لا تستلهم العبر و الدروس من تاريخها و رجالها و لاتهتم لذلك و تعده من سقط المتاع ..
و تتعامل مع الأحداث و كأنه لا تاريخ لها ..
و جدودي ألمح الدهر على ::: ذكرهم يطوي جـناحيه جلالا
بوركت صحراؤهم كم زخرت ::: بالمروءات رياحا و رمـالا
حملوا الشرق سناء و سنى ::: و تخـطوا ملعب الغرب نضالا
فنـما المجد على آثارهم ::: و تحـدّى بعدما زالوا الـزوالا
هذه التدوينة من وحي أخبار قراصنة الصومال : صعاليك البحر ..
و لا أسأل العبد اللئيم (نفيطه) ::: و (نفط) ربي في البحار كثير ..
نوفمبر 29, 2008 في 2:17 م
مساعد
لله درك يا نادر نقلتنا برفقت قلمك الرائع إلى معارك المسلمين مع الصليبين
صحبتنا بصحبة هذا القائد العظيم بربروسا
رحمه الله وغفر له وأسكنه الجنة وأخلف علينا بخير منه ..
من الحكم في هذه التدوينة أن الأم صانعة الأجيال هي منشأة الآمال ورفعة الشأن بعد الله
لربما تأتي أم كهذه فتنجب لنا وتنشأ شباباً كهؤلاء يحملون الراية وينشرون العز للمسلمين
دمت بخير
نوفمبر 29, 2008 في 11:16 م
نادر ..
مرحبا مساعد ..
أتأمل في حياة الكثير من المتميزين المعاصرين أو القدماء ..
و أجد أن الأم -أو الأخت الكبرى- في غالب الأحيان لها الدور الأكبر في صناعة إبداعهم و تميزهم ..
بعاطفتها المتدفقة ..
و رعايتها الفائقة ..
و تشجيعها و صبرها على تصحيح الأخطاء ..
دمت بكل خير ..
نوفمبر 30, 2008 في 6:16 ص
صوت الحياة
//
لحكايا الأندلس ..
عبق دفين ..
وفي ذكرها ..
شوق لايستكين ..
للأبطال مساحات من التقديس ..
ويعظم إن ارتبطت ذكراهم ” لأجل الله ورفع راية الدين ” ..
شكري لرحلتكم الماتعة بحق يافاضل ..
.
.
عزائي ..
//
ديسمبر 1, 2008 في 12:32 م
الديمة
خلال بحثي عن خير الدين بربروسا وجدت إن عملية بربروسا اسم رمزي استخدمته ألمانيا النازية لغزوها للاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية.
واسم تحمله مجموعة من الألعاب الحربية
ولقب لخمسة مدن ألمانية!
مما يعني شهرة الاسم والمكانة التي أوجدها أعظم بحارة التاريخ..
استمتعت بالتسلسل القصصي ..
وبانتظار المزيد
ديسمبر 1, 2008 في 12:49 م
نادر ..
صوت الحياة ..
للأندلس سحر و فتنة ..
و لفقدها لوعة و شجن ..
أسأل الله أن يرفع عن هذه الأمة الهوان و الذل ..
ديسمبر 1, 2008 في 12:54 م
نادر ..
مرحبا الديمة ..
ربما أن استخدام ألمانيا لهذا الاسم نسبة إلى الملك الألماني فريدريك الأول بربروسا الذي كان قائدا للحملة الصليبية الثالثة مع الملك الانجليزي ريتشارد قلب الأسد عام 1190 أي قبل خير الدين بحوالي 300 سنة ..
و يقال أن بربروسا كلمة ذات أصل ايطالي تعني ذو اللحية الحمراء ..
ديسمبر 1, 2008 في 6:43 م
الديمة
!! الدخلاء على العلوم
بضاعتي في التاريخ مزجاة فربما يكون الأمر كذلك..
وبالفعل وجدت الترجمة ذاتها (ذو اللحية الحمراء) في الويكيبيديا
ديسمبر 2, 2008 في 10:42 ص
نادر ..
و بضاعتي كذلك ..
شكرا لمرورك ..
ديسمبر 3, 2008 في 5:24 م
عبدالرحمن الشريف
وهبنا الله مثله وخيراً منه.
خوض البحر مهمة ليست بالسهلة وإن كانت لأيسر الأمور ، ما بالك إذا كانت لتحقيق ما تقصر عنه همم الرجال ، لكن يبدو أن هذا القائد الفذ قد أوتي خيراً كثيراً..
سرد جميل يسهل على القارئ استجلاء الدروس مع كل عبارة.
ديسمبر 4, 2008 في 12:24 م
سامي البشيري
لن تعقم أرحام الأمهات أن تنجب أمثال هؤلاء الأفذاذ الذين ضحوا بأغلى مايملكون لنصرة هذا الدين . . .
أرجوك لا تغلق قلمك
بارك الله فيك أيها النادر
ديسمبر 4, 2008 في 7:43 م
نادر ..
مرحبا عبدالرحمن ..
الأهم من معرفة التاريخ .. استجلاء دروسه و عبره ..
ديسمبر 4, 2008 في 7:46 م
نادر ..
مرحبا سامي ..
قد يوجد بيننا من هم كذلك .. لكن لا يوجد من هو مثل سليمان ..
ديسمبر 10, 2008 في 10:23 م
حسن سالم
ألا فلا نامت أعين الجبناء
خالد بن الوليد
وخير الدين بربروسا
وآخرون كثر ما توا على فرشهم ، وقد كانت أغلب فترات حياتهم على الجبهة
وما أشبه الليلة بالبارحة ،
الغدر والخيانة ، صفات ذميمة صالحة لكل زمن وموجودة في كل أمة
ليس لها تاريخ بداية ، ولن بكون لها نهاية ..
تحياتي أخير نادر ،، تحياتي
ديسمبر 12, 2008 في 8:35 م
مشاري ( زجاجة عطر )
بربروسا …
رحمه الله ورحم أبطالا لم يذكرهم التاريخ , وهم كثير …
سيعيد التاريخ الجميل نفسه ، كما أعاد التاريخ السيئ نفسه !
ديسمبر 13, 2008 في 4:58 م
نادر ..
مرحبا حسن ..
الغدر والخيانة تزيد بقوة العدو و أمان العقوبة ..
ديسمبر 13, 2008 في 5:01 م
نادر ..
مرحبا مشاري ..
لايضرهم ذلك مادام الله عزوجل يعرفهم و يعلم جهادهم و بلواهم ..
ديسمبر 30, 2008 في 5:59 م
أنور
السلام عليكم
كم نحن بحاجة إلى خير الدين جديد يحمل على كاهله أعباء و أتعاب الأمة الإسلامية و العرية
فبراير 18, 2009 في 1:56 م
MURAT
BARBAROSSA HAYREDDIN SITE
http://www.barbaros.biz