You are currently browsing the monthly archive for نوفمبر 2008.
بعد سقوط الأندلس المريع على يدي فرديناند و ايزابيلا و جنودهما الهمج المتوحشين، و بعد طرد المسلمين من جنان أمجادهم و مراتع حضارتهم، اتجه الاسبان ممتلئين بنشوة النصر و عزة الطغيان إلى ما وراء البحر من بلاد المغرب العربي مستغلين الآثار النفسية لنكسة ذبول غرناطة : غصن الأندلس الرطيب.
و استطاعوا أن يحتلوا المرسى الكبير في غرب الجزائر عام 911 هـ ثم مليلة و بجاية و طرابلس و وهران و غيرها من مدن الساحل الإسلامي، لتكون قواعدا لجيوشهم في خطوة تسبق احتلال ما يمكن احتلاله من بلاد المسلمين و نهب ما يمكن نهبه من ثرواتهم ، بل أن آمالهم و خططهم كانت بعيدا هناك : احتلال مدينتي الإسلام المقدستين و نبش قبر نبيهم صلى الله عليه و سلم.
لكن فتاة أندلسية كانت ممن اخرجوا من ديارهم و أموالهم عاهدت نفسها أن تغرس في نفسي ابنيها حب الجهاد في سبيل الله و حماية ديار الإسلام و دماء المسلمين لئلا تتكرر فاجعة غرناطة. و كان نتاج هذه التربية رجلا من صناديد الرجال و شجاعا خلع قلب أوروبا بأسرها ،واجه أهوال البحر الجبارة و جيوش الصليب الجرارة في ثبات منقطع النظير و عبقرية حربية فذة مع ما عاناه من خيانة بعض بني جلدته و دينه حين تلقى أشنع طعنة في ظهره و أعمق جرح في فؤاده بعد أن حاصر الأسبان عام 924هـ تلمسان و قتلوا أخاه القائد المحنك و المقاتل الشرس : عروج .. و سوى الروم خلف ظهرك روم.
كان (عروج) و (خير الدين) هما ابنا يعقوب بن يوسف التركي من تلك الأندلسية الفريدة ، واستطاع هذان الأخوان أن يكونا مجموعة بحرية صغيرة من عدة سفن لرد عدوان القراصنة الصليبيين الذين طغوا في البلاد و عاثوا في البحر الفساد ينهبون سفن المسلمين و يتخذون من عليها عبيدا و أسرى .
و بعد أن علا صيت هذين الأخوين و اشتهرت انتصاراتهما العديدة على قراصنة الأسبان و البرتغال ،وهبهم السلطان الحفصي جزيرة جربة التونسية لتكون مركزا لهجماتهم و قاعدة لجيشهم البحري فأثمرت هذه عن توقف سياسة الأوربيين البحرية بعد أن استعادا ميناء بجاية الجزائري.
بعد مقتل أخيه عروج :استنجد خيرالدين بالسلطان العثماني سليمان القانوني فبعث إليه بألفي مقاتل من الانكشارية الأشداء مع بعض المدفعيات ثم أعلن خير الدين دخوله في رعية السلطان العثماني و تحت سلطانه عام 926هـ متنازلا عن أمارته و زعامته في سبيل إعلاء كلمة الله و الدفاع عن بيضة الدين و دماء المسلمين و كان رحمه الله رابط الجأش في أحلك المواقف و أصعبها حين يهيج البحر و يغضب و تزمجر السماء و تقصف مع حصار العدو و قذائفه التي تتناثر عن يمينه و شماله وهو يردد على جنده في ثبات قول الله عزو جل : (إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم). و لاينسى التاريخ أبدا موقفه البطولي حين أنقذ 70 ألف أندلسي من سوء عذاب النصارى فنقلهم على سفنه سنة 936 هـ إلى شمالي أفريقيا.
استدعى سليمان القانوني خير الدين لا سطنبول و عينه قائدا عاما للأسطول العثماني و عهد إليه بإعادة تنظيم الأسطول وبناء السفن ثم أوكل له مهمة ضم تونس تحت جناح العثمانيين ، وبعد أن سيطر عليها خير الدين فر أميرها الحفصي المسلم الخائن إلى أسبانيا و باع دينه بعرض من الدنيا قليل إذ أشار على شارلكان أن يحتل تونس و يعينه عليها و تعهد هذا الخائن لشارلكان أن يناصب العثمانيين العداء و يحاربهم في شمال أفريقيا و أن يكون عونا و ظهيرا لفرسان القديس يوحنا و أن يتحمل كذلك نفقات ألفي ذئب من جنود الأسبان لحماية الغنم من راعيها .. فما أشبه الليلة بالبارحة.
حشد شارلكان أساطيله و احتل تونس عام 942 هـ فيما تراجع العبقري خير الدين بربروسا إلى الجزائر لينقض في التفاف ذكي على جزر البليار المهمة و المليئة بالذهب و الفضة و العبيد فكانت ضربة موجعة مفاجئة اهتزت لها أوروبا بأسرها وكان الخبر الأليم و النبأ المفجع قد وصل إلى روما في غمرة الأحتفالات باحتلال تونس. فأصبح بربروسا بعدها شبحا و رعبا قذفه الله في قلوبهم و هما وغما على أفئدتهم لفترة طويلة حتى أنه إذا تحركت ريح أو سمعوا صوتا قادما من البحر علا صراخهم و عويلهم بأن بربروسا قادم فيفر السكان من ديارهم و مزارعهم و متاجرهم ، وحتى ان الأمهات الأوربيات يخوفن أولادهن ببربروسا ذو اللحية الحمراء بأراجيز و أشعار اشتهرت في أدبيات تلك الفترة.
استجابت أوروبا كلها و احتشدت لنداء البابا بعد تلك الفاجعة التي زلزلت قلوبهم للقضاء على خير الدين بربروسا، فتكون تحالف صليبي من 600 سفينة تحمل 60 ألف جندي تحت قيادة أعظم قائد عسكري بحري أوروبي هو “اندريا دوريا”و كان في الجهة المقابلة المجاهد المؤمن و العبقري المحنك بربروسا مع 122 سفينة و 20 ألف جندي والتقى الأسطولان العظيمان في بروزة عام 945 هـ. و كانت 5 ساعات كافية لهذا العبقري أن يفرق سفن أوروبا و يحطمها ليهرب قائدهم و يترك جيشه المنهار بين هول البحر و أهوال بربروسا.
وغدا بربروسا بعد هذا النصر العظيم سيد البحر المتوسط بلا منازع ..
وأمر السلطان العثماني سليمان القانوني بإقامة الاحتفالات و الأفراح في أنحاء الدولة ..
فيما ترسخ الرعب و الهلع و الفزع في نفوس الصليبيين ..
و أصبح اسم “بربروسا” كافيا لأن يخلع قلب أعتى رجالات أوروبا ..
وصارت كل بقعة في البحر المتوسط شاهدة على عظمة و عبقرية هذا القائد الفذ الذي اختار أصعب ميادين الحرب في مرحلة من أصعب مراحل التاريخ ..
لكن أعظم قائد عسكري بحري الذي كان يطلب الشهادة حياته كلها مات على فراشه في اسطنبول عام 953 هـ و كأنه بذلك يقتفي أثر أعظم قائد بري خالد بن الوليد رضي الله عنه ..
فلا نامت أعين الجبناء ..
نشر الشاعر العراقي الساخر أحمد مطر قصيدتين في لافتاته الأولى عام 84 م متنبأ بأن العرب سيهرعون إلى الصلح مع إسرائيل بعد لاءات قمة الخرطوم الثلاث الشهيرة ( لا صلح ، لا اعتراف ، لا تفاوض ) ردا على هزيمة حزيران 67 و احتلال اسرائيل لسيناء و الجولان و الضفة و القطاع، ثم تجريمهم و مقاطعتهم للسادات الذي زار القدس و ألقى خطابا في الكنيست ، ثم وقع معاهدة كامب ديفيد مع مناحيم بيجن عام 78م استرد بموجبها شبه جزيرة سيناء من إسرائيل ونال على أثرها الرئيسان جائزة نوبل للسلام.
العجيب أن إسرائيل تماطل الآن بتحقيق نبوءة مطر ، ربما لتفوز بتنازلات اكثر على طريقة “خذ و طالب”:
نبوءة
اسمعوني ..
قبل أن تـفـتـقـدوني ياجماعة ..
لست كذابا ..
فما كان أبي حزبا ..
ولا أمي إذاعة ..
كل ما في الأمر ..
أن العبد صلى مفردا بالأمس ..
في القدس ..
و لكن “الجماعة” سيصلون جماعة ..



أحدث التعليقات