أمثلة كثيرة بعرض التاريخ و طوله توضح بجلاء أخلاق الحرب عند المسلمين و عند غيرهم ..

فقبل 500 سنة سيطر القشتاليون على كامل الأندلس .. فساموا المسلمين العذاب الهمجي و التهجير الظالم و القتل الوحشي .. وأجبروهم على تغيير دينهم بل و حتى أسماءهم العربية إلى أسماء نصرانية .. حتى لم يبق مسلم واحد على تلك الأرض .. و حسبك بمحاكم التفتيش عارا على تلك السنين .. فهذه شهادة جندي فرنسي من رجال نابليون الذي أصدر مرسوما عام 1808 بإلغاء دواوين التفتيش كما جاء في دفتر الذكريات الأندلسية:

(رأيت فيها ما يستفز نفسي، ويدعوني إلى القشعريرة والتـقزز طوال حياتي‏.‏

رأينا غرفاً صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفاً على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممداً بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، وتأكله الديدان، ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي.

وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها‏.‏

كان السجناء رجالاً ونساءً، تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين، وقد استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء، وتحطيم أغلالهم, وهم في الرمق الأخير من الحياة‏.‏كان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب، وكان السجناء جميعاً عرايا، حتى اضطر جنودنا إلى أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها بعض السجناء‏.‏أخرجنا السجناء إلى النور تدريجياً حتى لا تذهب أبصارهم، كانوا يبكون فرحاً، وهم يقبّلون أيدي الجنود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب، وأعادوهم إلى الحياة، كان مشهداً يبكي الصخور‏.‏

ثم انتقلنا إلى غرف أخرى، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان، عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب، منها آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري، كانوا يبدؤون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا، حتى يهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم، هكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين، ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم جسم رأس الإنسان تماماً، يوضع فيه رأس الذي يريدون تعذيبه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يستطيع الحركة، وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، في كل دقيقة نقطة، وقد جُنّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت‏.‏

وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة‏.‏كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره‏.‏ فإذا أغلق مزق جسم المعذب المسكين، وقطعه إرباً إرباً‏.‏كما عثرنا على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد ليخرج اللسان معها، ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين‏.‏وعثرنا على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم …)

بل لما ضاق الأمر بيهود الأندلس بعد غزو النصارى الذين أشبعوهم تعذيبا و ذلا و مهانة هاجروا إلى الدولة العثمانية ينشدون العدل و الأمن و الكرامة فأصبح بعضهم هناك من كبار القوم و عليتهم في التجارة و السياسة و غير ذلك.

وهنا في مصر التي فتحها المسلمون قبل 1400 سنة .. لايزال الوجود النصراني رجالا و كنائس شاهدا كعين الشمس على أخلاق المسلمين و عدلهم في تلك البلاد .. بل كان النصارى يلون المناصب الكبرى و الصغرى و التجارات في مصر كما كان بهرام النصراني وزيرا للحافظ لدين الله عام 529 هـ .. فانظر إلى مدى التسامح و العدل اللذي يعيشه النصارى في تلك الأرض سياسيا و اقتصاديا و دينيا.

أوصى أبو بكر جيش أسامة رضي الله عنهم أجمعين فقال:

(يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني:

لا تخونوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً أو شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نحلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له. )

أما البابا أوربان فخطب في جحافل من العامة والفلاحين وقطاع الطرق واللصوص قبل الحملة الصليبية الأولى التي اشتهرت بحملة الرعاع ، خطب فيهم خطبة كانت تحريضًا وإثارة للحقد والطمع في نفوس الأوروبيين، ودعوة للسلب والنهب،  ومنّى المتطوعين في الحملة بحياة أفضل في الدنيا، وبغفران الذنوب إن ماتوا في ساحة القتال.

وارتكبت هذه الحملة في سيرها بمباركة البابا كل الموبقات من سلب ونهب وقتل واعتداء على الأعراض، واغتصاب بعض الراهبات، حتى وصلت إلى أبواب القسطنطينية، فسارع الإمبراطور البيزنطي إلى نقلهم عبر مضيق البسفور إلى آسيا الصغرى، وتخلص من شرورهم، وقابل السلاجقة هذه الجحافل وأوقعوا بهم هزيمة قاسية.

ولما دخلوا بيت المقدس في حملة لاحقة عاثوا في الأرض الفساد و قتلوا في يوم واحد فقط  أكثر من 70 ألفا فيهم الكثير من الأطفال و النساء و الشيوخ . وقد ذكر المؤرخ الصليبي “ريموند أف أجيل” أن دماء القتلى و أشلائهم قد بلغت الركب و كانت الخيل تتعب عند الخوض بها.

لكن  ”صلاح الدين” رحمه الله بعد فتحه القدس لم يثأر لتلك المذابح التي ارتكبها الصليبيون عندما احتلوا المدينة ، بل سمح لكل صليبي أن يفتدى نفسه، كما أعفى أكثر من ألفين من الأسرى من دفع الفدية ؛ لأنهم لم يكن معهم مال ليفتدوا به أنفسهم ، كما أطلق سراح كل شيخ وامرأة عجوز ، ومنح الأرامل واليتامى والمحتاجين أموالا، حسب حاجتهم.

ملكنا فكان العدل منا سجية ::: فلما ملكتم سال بالدم ابطح
وحللتم قتل الاسارى و طالما ::: غدونا على الاسرى نمن ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا ::: فكل إناء بالذي فيه ينضح

للعالم الموسوعي المثقف محمد الغزالي رحمه الله كتاب ماتع عن هذا الموضوع بعنوان : التعصب و التسامح بين الإسلام و المسيحية .