قال الله عز و جل : (يا أيها الذين آمنوا استجيبو لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم .. ) الأنفال 24
فسرت هذه الدعوة بمعانى كثيرة منها : أنها دعوة الى الايمان و القرآن و السنة وغير ذلك. و ذكر بعض المفسرين في معنى هذه الدعوة للحياة أنها دعوة للجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، و يؤيد هذه المعنى أن سورة الأنفال مليئة بأحكام الجهاد وأخباره و قضاياه وهو طابعها الغالب عليها.
و لكن كيف تكون هذه الدعوة للموت دعوة للحياة ؟ أي كيف يكون الموت حياة ؟ إن قلت أن الشهداء ” أحياء عند ربهم يرزقون ” وأن حياتهم في قبورهم أكمل من حياة غيرهم ، فذاك المعنى و لاشك ، لأن الموت ليس فناء محضا و انما هو انتقال الحياة الى دار أخرى نجهلها فنظن ان الأمر متعلق بهذا الجسد الذي يفنى تحت الأرض ، و مالجسد إلا رداء يخلعه الميت ليرتدي شيئا آخر .
وهناك معنى آخر خلف هذا : فعندما يبذل الشهداء أنفسهم في سبيل الله فإنهم بذلك ينقذون خلفهم حياة مئات الألوف من المسلمين .فعدد شهداء الفتوحات الإسلامية خلال 35 سنة من عهدي النبوة و الخلافة الراشدة لم يتجاوز عدد المسلمين اللذين قتلهم الصليبيون في يوم واحد حين احتلوا القدس عام 491هـ،إذ قتلوا في ذلك اليوم أكثر من 70 ألفا ، فيهم الكثير من الأطفال و النساء و الشيوخ في مجزرة بشعة غطى التاريخ منها وجهه حياءا و عارا، وقد ذكر المؤرخ الصليبي “ريموند أف أجيل” أن دماء القتلى و أشلائهم قد بلغت الركب و كانت الخيل تتعب عند الخوض بها.
لكن هذه المجزرة تبدو هينة و السبعين ألفا يبدو رقما صغيرا جدا إذا قورن بقتلى المسلمين في مأساة بغداد حين احتلها التتر عام 656هـ، إذ قتلو من المسلمين حسب المصادر المعتدلة أكثر من 800 ألف.
يقول ابن كثير رحمه الله في وصف تلك الأيام العصيبة : “ومازال السيف يقتل أهلها أربعين يوما، ولما انقضى الأمر المقدور، وانقضت الأربعين يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد، إلا الشاذ من الناس، والقتلى فى الطرقات كأنها التلول وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم، وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى فى الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من الجو وفساد الريح ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء” .
بل إن المسلمين عندما يغزون بلدا و يفتحونه ثم يحكمونه بشريعة الله العادلة ، هم بذلك ينقذونه و يحمونه من جيش آخر ، لا يرحم صغيرا و لا أمراة و لا شيخا ولا يحترم علما أو حضارة كما فعل التتر سابقا و أمريكا حاليا ببغداد و اليابان . ف” التاريخ لم يعرف فاتحا أرحم من العرب” كما قال غوستاف لوبون المؤرخ الفرنسي.


10 comments
Comments feed for this article
سبتمبر 13, 2008 في 1:03 ص
الديمة
قفلة التدوينة ذكرتني بأخلاقيات الحرب عند المسلمين لو تطرقت له!
تذكرت الجميلة الشهيرة لسيد : كلماتنا تظل جثثا هامدة حتى إذا متنا في سبيلها انتفضت حية وعاشت بين الأحياء..
والتكاليف هي الثمن النفسي الذي تعزّ به العقيدة في نفوس أصحابها وكلما تألموا في سبيلها كانت أعز عليهم وأدرك الآخرون قيمتها حين رأو صبر أهلها على بلائها.. سيد.
بعيد عن الموضوع
تتمة الآية أذكر أني قرأت قديما حولها أن قوله تعالى : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) فيه تهديد لمن لم يستجب لأمر الله مع قدرته أنه قد يعاقب بالحيلولة بينه وبين الاتباع في وقت يتمنى أن يتبع ولا يستطيع!
سبتمبر 13, 2008 في 10:56 ص
نادر
“الديمة” ..
مثالان كبيران يوضحان أخلاق الحرب عند المسلمين و غيرهم ..
فقبل 500 سنة سيطر القشتاليون على كامل الأندلس .. فساموا المسلمين العذاب الهمجي و التهجير الظالم و القتل الوحشي .. وأجبروهم على تغيير دينهم بل و حتى أسماءهم العربية إلى أسماء نصرانية .. حتى لم يبق مسلم واحد على تلك الأرض .. و حسبك بمحاكم التفتيش عارا على تلك السنين ..
أما مصر ففتحها المسلمون قبل 1400 سنة .. و لايزال الوجود النصراني رجالا و كنائس شواهد كعين الشمس على أخلاق المسلمين و عدلهم في تلك البلاد ..
ملكنا فكان العدل منا سجية ::: فلما ملكتم سال بالدم ابطح
وحللتم قتل الاسارى و طالما ::: غدونا على الاسرى نمن ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا ::: فكل إناء بالذي فيه ينضح
سبتمبر 14, 2008 في 3:06 ص
تركي الشريف
(ولكم في القصاص حياة) شاهد آخر أيضا..
حياة المسلمين تسمو ببذل الأرواح والأوقات والملذات من أناس لايرجون جزاء ولاشكورا من أحد إنما يخافون يوما عبوسا قمطريرا..
نمو الوعي الفردي بمصلحة المجتمع والأمة هي ما يتربى عليه المسلم يوميا وفي تفاصيل دقيقة من حياته بدءا من يومه السابع حين يعق عنه ويسمى ويفرح به مجتمعه الصغير ثم هي كذلك أركان الإسلام: الصلاة في جماعة..الزكاة لمصلحة المجتمع..الصوم يوم يصوم الناس..والحج يوم يحجون..
ليس هذا فحسب بل السلوك والأخلاق (أثقل شئ في ميزان العبد)(أنتم شهود الله في أرضه)..
لو كنا كذلك لما احتجنا إلى أنظمة جديدة او قوانين أو حتى محاكم..لكن حين يغيب هذا الحس وتفرض القوانين ويغيب داعي الله الفطري في الإنسان يتحول المجتمع إلى غابة دهماء يأكل القوي فيها الضعيف..يتحول المجتمع إلى مادة..يصبح مجتمعا صناعيا..
لهذا (يا أيها الذين آمنوا استجيبو لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم)
نادر..
دام قلمك..
سبتمبر 14, 2008 في 7:33 ص
noudi
المسلمون في ذلك الوقت كانوا دليلاً على رفعة الإنسان عبر تاريخه الطويل …
عظماء بعظمة الإسلام
سبتمبر 14, 2008 في 11:26 ص
نادر
“تركي” ..
عندما تختل كفتي ميزان المصالح بين الفردية و الجماعية ..
يتهاوى المجتمع تدريجيا بكل أفراده ..
كما هوت الشيوعية سابقا و كانت صرحا من خيال و جنة منتظرة و حلما جميلا لأتباعها و مؤيديها ..
و ها هي الرأسمالية اليوم تتقوض أركانها الاجتماعية و الاقتصادية و سيتبعها الركن الشديد .. السياسي ..
يحتاج هذا الميزان لكي تتعادل كفتاه .. إلى اتباع التعليمات الدقيقة من خالقه و العالم بأسراره ..
و العجيب في هذا الميزان أنك حين تزيد في كفته الجماعية و تعمل لها ..
فأنت موعود أصدق الوعد بأن تثقل كفتك الفردية في الدنيا و الآخرة ..
(والآخرة خير و أبقى) ..
و كذلك جناحا الخوف و الرجاء فالمؤمن يخاف و يرجو .. و بتوازنهما يعلو و يرتفع .. و باختلالهما يسقط و يقع ..
سبتمبر 14, 2008 في 11:38 ص
نادر
“نودي” ..
و هانوا اليوم بهوان المعصية .. و ذلوا بذلها ..
سبتمبر 15, 2008 في 2:11 ص
مساعد
أعتقد أنها تعني المعنيين بالحياة البرزخية فهم أحياء حتى بعد مقتلهم بالنعيم المقيم في قبورهم والنعيم المستديم في جنات النعيم ، ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون )) وأحياء بحيات غيرهم كما ذكرت أخي ..
مقال جميل يحمل الكثير من العبر والدروس
سبتمبر 15, 2008 في 1:29 م
نادر
تأييدا لكلامك أخي مساعد ..
فقد ذكر بعض المفسرين أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا تعارض بينهما .. فتكون حينئذ شاملة المعنيين جميعا ..
سبتمبر 19, 2008 في 11:10 م
سامي البشيري
كثيرا ما يستدل بهذه الآيه على أنها الاستجابة لما جاءت به الشريعة من إيمان وقران وسنه – كما ذكرت – إلا أنك أضفت معلومة جميلة أنها أيضا تشمل الجهاد وبذل الأرواح والمهج في سبيل لله …….
الشهادة هي الحياة الحقيقية ” ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ”
أغلقوا بوابة المجد وناموا عند باب الذل يبلون الرمالا وكأنا ما ملأنا الأرض عدلاً وانتشلناها من الظلم انتشالا وكأنا ما سمعنا في حراءٍ قارئا يتلو ولم نسمع بلالا…..”العشماوي”
شكرا لك نادر على مواضيعك الجميله
سبتمبر 20, 2008 في 11:31 ص
نادر
“وكأنا ما ملأنا الأرض عدلاً وانتشلناها من الظلم انتشالا ”
كل الشكر “سامي” على مرورك العذب ..