You are currently browsing the monthly archive for سبتمبر, 2008.
كيف نشأ هذا الكون العظيم ؟ و كيف استمر ؟ ..
هل كان العدم سابقا لهذا الكون ؟ أم أنه أزلي لم يسبقه عدم ؟ ..
و إن كان أزليا .. فهل سيبقى و يستمر أبدا ؟ أم أنه سيفنى و يتلاشى ؟..
إذا كانت هناك لحظة بداية ؟ فهل ستكون بعد حين لحظة نهاية ؟..
و كيف كانت هذه ؟ و كيف ستكون تلك ؟ ..
و متى كانت هذه ؟ و متى ستكون تلك ؟ ..
هل خلق الكون نفسه ؟ هل كان الأمر مجرد صدفة ؟ ..
أم أن هناك من أحكم لحظة البداية ؟ وأحكم قوانين الكون و نواميسه ؟..
بهذه الدقة المتناهية و التقدير المتقن؟ ..
هل الكون الذي نراه هو كل الكون ؟ أم أن هناك أكوانا أخرى لا تراها أبصارنا و لا تدركها عقولنا ؟ ..
ما أصعبها على النفس أن تقف حائرة مشدوهة أمام أسئلة تخنقها كل يوم ؟ فتحاول و تحاول ثم تنقلب حسيرة مقهورة ملطومة أمام هذا اللغز الممتنع ؟ ..
بل ما أصعبها على عقول كبار بلغت في العلم المادي منزلة كبرى لكنها ابتعدت عن النور الإلهي و الوحي الرباني .. فعجزت عن إجابة طفل صغير : كيف جاء هذا الكون ؟ و من جاء به ؟ ..
كانت هذه الأسئلة بالغة الحيرة لكثير من ملاحدة الفلاسفة و علماء الطبيعة منذ القديم ،فقد ظن قوم أن هذه الشمس و الكواكب أزلية باقية على حالها مذ عرفها آباؤنا و أجدادنا و البشر قبلنا،و لو كانت ستفنى فسيظهر ضعفها و ذبولها مع مرور الزمن فهي إذن ستبقى إلى الأبد -كما احتج جالينوس بعدهم بقرون – ثم قال البابليون قوم إبراهيم بألوهيتها فعبدوها.
اما الملاحدة المعاصرون فقد كانت نظرية الكون المستقر الذي لا يتمدد و لايتغير فهو أزلي أبدي ،كانت هذه النظرية ملاذا لهم من الإيمان بخالق مدبر لهذا الكون كما تؤمن الكنيسة التي كانوا في صراع كبير معها امتد لقرون .لكن اكتشافا مهما للعالم هابل عام 1931 قلب الطاولة في وجه نظرية الكون المستقر. إذ كان الاعتقاد السائد قبل ذلك أن حركة المجرات و النجوم عشوائية و أن مجموع هذه التحركات يساوي صفرا أي أن هذا الكون ثابت مستقر بمجموعه لا يتمدد و لا ينكمش . لكن هابل لاحظ بعد رصد لجميع المجرات أنها تتحرك تاركة خلفها الطيف الأحمر -أقل الألوان المرئية ترددا وأطولها موجة- أي أنها تبتعد عن بعضها البعض كما البالون عندما ترسم عليه نقاطا صغيره ثم تبدأ بنفخه.
و بالرجوع في درب الزمن فإن هذه المجرات التي تتباعد عن بعضها قد ابتدأت من نقطة صغيرة جدا حيث لا زمان و لامكان ،أو إن شئت فقل : من العدم. و هذا يقود للنتيجة التي يهرب منها هؤلاء الملحدون وينزعجون منها و هي أن لهذا الكون خالقا. حتى قال آينشتاين: ” إن مسألة كون متمدد تقلقني “. وفي رسالة بعثها إلى ديستر: ” فكرة الكون الذي ينفجر تزعجني، لأن لازمها ان يكون للكون بداية“. و يقول جون تيلر: ” تقتضي نظرية الانفجار العظيم، أنه في وقت ما من الزمان الماضي، خلق الكون فجأة. ثم إنه تمدد بعد ذلك بطريقة يمكن استكشافها بالتفصيل، لكن قبل ذلك الوقت لم يكن هنالك وقت ولم يكن هنالك زمان. من الوسائل التي يمكن أن نتفادى بها المشكلات العظيمة التي يأتي بها هذا الانفجار العظيم، أن ندَّعي أنه لم يحدث قط “.
و بين القول بأزلية الكون و أن ذراته خلقت نفسها و نظريات الكون الثابت المستقر و الخلق المستمر و التطور الدارويني و أن المادة لا تفنى و لا تبيد و لا تخلق من العدم ، بين هذه الأقوال جميعا ظل الإلحاد الحديث يهرب بسذاجة -و عنادا لخصمه العتيد الكنيسة المحرفة- من فكرة الخالق الفاطر لهذا الكون.
و كان السؤال الذي دائما يصرع هؤلاء الملاحدة :
من خلق المادة الأولى ؟ ..
من خلق الذرة الأولى ؟ ..
لا يمكن لشئ أن يخلق نفسه !! ..
لا يمكن لذرة أن تسبق وجودها لتخلق نفسها.. !!
لابد للكون من خالق لم يخلق ..
و لم يولد ..
و لم يكن شئ قبله ..
و كانت الإجابة هنا في كتاب الله عز و جل :
( أو لم ير الذين كفروا أن السموات و الأرض كانت رتقا ففتقناهما و جعلنا من الماء كل شئ حي ) ..
( وهو الذي خلق السموات و الأرض في ستة أيام و كان عرشه على الماء ) ..
( ثم استوى إلى السماء و هي دخان فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) ..
( و السماء بنيناها بأييد و إنا لموسعون ) ..
( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدانا اول خلق نعيده ) ..
( و خلق كل شئ فقدره تقديرا ) ..
( أم خلقوا من غير شئ ؟ ..
أم هم الخالقون ؟ ..
أم خلقوا السموات و الأرض ؟ ..
بل لايوقنون ) ..
قال الله عز و جل : (يا أيها الذين آمنوا استجيبو لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم .. ) الأنفال 24
فسرت هذه الدعوة بمعانى كثيرة منها : أنها دعوة الى الايمان و القرآن و السنة وغير ذلك. و ذكر بعض المفسرين في معنى هذه الدعوة للحياة أنها دعوة للجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، و يؤيد هذه المعنى أن سورة الأنفال مليئة بأحكام الجهاد وأخباره و قضاياه وهو طابعها الغالب عليها.
و لكن كيف تكون هذه الدعوة للموت دعوة للحياة ؟ أي كيف يكون الموت حياة ؟ إن قلت أن الشهداء ” أحياء عند ربهم يرزقون ” وأن حياتهم في قبورهم أكمل من حياة غيرهم ، فذاك المعنى و لاشك ، لأن الموت ليس فناء محضا و انما هو انتقال الحياة الى دار أخرى نجهلها فنظن ان الأمر متعلق بهذا الجسد الذي يفنى تحت الأرض ، و مالجسد إلا رداء يخلعه الميت ليرتدي شيئا آخر .
وهناك معنى آخر خلف هذا : فعندما يبذل الشهداء أنفسهم في سبيل الله فإنهم بذلك ينقذون خلفهم حياة مئات الألوف من المسلمين .فعدد شهداء الفتوحات الإسلامية خلال 35 سنة من عهدي النبوة و الخلافة الراشدة لم يتجاوز عدد المسلمين اللذين قتلهم الصليبيون في يوم واحد حين احتلوا القدس عام 491هـ،إذ قتلوا في ذلك اليوم أكثر من 70 ألفا ، فيهم الكثير من الأطفال و النساء و الشيوخ في مجزرة بشعة غطى التاريخ منها وجهه حياءا و عارا، وقد ذكر المؤرخ الصليبي “ريموند أف أجيل” أن دماء القتلى و أشلائهم قد بلغت الركب و كانت الخيل تتعب عند الخوض بها.
لكن هذه المجزرة تبدو هينة و السبعين ألفا يبدو رقما صغيرا جدا إذا قورن بقتلى المسلمين في مأساة بغداد حين احتلها التتر عام 656هـ، إذ قتلو من المسلمين حسب المصادر المعتدلة أكثر من 800 ألف.
يقول ابن كثير رحمه الله في وصف تلك الأيام العصيبة : “ومازال السيف يقتل أهلها أربعين يوما، ولما انقضى الأمر المقدور، وانقضت الأربعين يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد، إلا الشاذ من الناس، والقتلى فى الطرقات كأنها التلول وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم، وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى فى الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من الجو وفساد الريح ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء” .
بل إن المسلمين عندما يغزون بلدا و يفتحونه ثم يحكمونه بشريعة الله العادلة ، هم بذلك ينقذونه و يحمونه من جيش آخر ، لا يرحم صغيرا و لا أمراة و لا شيخا ولا يحترم علما أو حضارة كما فعل التتر سابقا و أمريكا حاليا ببغداد و اليابان . ف” التاريخ لم يعرف فاتحا أرحم من العرب” كما قال غوستاف لوبون المؤرخ الفرنسي.
منذ توليه مقاليد الأمور بمصر، أهمل محمد علي باشا المحاكم الشرعية متجها إلى الانظمة الأوربية. فساءت أوضاع هذه المحاكم و انحصر دورها فيما يسمى بالاحوال الشخصية مع تسلل الفساد بين أروقتها. علت أصوات الغيورين بضرورة إصلاح أوضاع هذه المحاكم فانتدبت وزارة العدل آنذاك الشيخ محمد عبده لدراسة ذلك ، فقام بجولة على كافة المحاكم عام 1899م و رفع تقريرا يصف فيه ما شاهده من سوء مباني المحاكم و أثاثها و ضعف مستوى القضاة و العاملين تحتهم مع بيان إهمال الحكومة و تقصيرها في ذلك.
و اقترح الشيخ محمد عبده حلولا للرقي بمستوى المحاكم و القضاة ، من ذلك إنشاء مدرسة للقضاء الشرعي لتأهيل القضاة على أعلى المستويات. و تسهيل إجراءات التقاضي بين الناس مع عدم التقيد بالمذهب الحنفي و وضع كتاب في الأحكام يتفق مع متطلبات العصر.
جاء عبدالناصر إلى الحكم في يوليو 1952م ، وابتدأ كما يروي الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد:
“تصعيد متزايد في الصحف ضد القضاء الشرعي وضد القضاة,
بل وأصبحت القصص المكرورة عن أخطاء القضاة أخباراً أساسية في أغلب الصحف,
حتى كانت القصة المكذوبة عن ضبط قاضيين في شقة مشبوهة!
فكانت هي الشمّاعة التي عُلق عليها قرار إلغاء المحاكم الشرعية!“
و كان قرار إلغاء المحاكم الشرعية صدر عام 1955 م ، وبعده بست سنين أصدر عبد الناصر عام 61م قانون الأزهر الذي ألغى هيئة كبار العلماء بها و قلص سلطات شيخ الأزهر لتكون في يد وزير الأوقاف ليحدث الصدام المتوقع بينهما و تضعف المؤسسة الدينية بالبلد . و تقوى بضعفها توجهات أخرى ترى في الغرب و أفكاره بحسنها و قبيحها الملاذ الأوحد كما صرح يوما ما طه حسين الوزير الأديب المخضرم.




أحدث التعليقات