في العقدين الماضيين احتلت قيادة المرأة للسيارة مساحة كبيرة في الجدل الثقافي و الفكري السعودي ، و بعد قدوم الجيش الأمريكي بشهرين في حرب الخليج الثانية ؛ أنطلقت المظاهرة الشهيرة التي قام بها 47 سعودية بقيادة 15 سيارة لمدة نصف ساعة بالرياض في ربيع الأول عام 1411، أعقبتها مظاهرة أخرى تستنكر هذا وتندد به مع أمور أخرى. ثم صدرت الفتوى الرسمية بمنع ذلك الأمر حاسمة الموضوع مؤقتا و مؤجلة للصراع.
تشوهت قضية قيادة المرأة السعودية للسيارة بهذه البداية ثم بارتباطها ببعض الأفكار التغريبية و الكتاب ذوي التوجهات المشبوهة. ثم نشطت هذه القضية عام 1419 بعد حملة صحفية مركزة صدرت بعدها فتويان للعالمين الجليلين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله اخمدت الأمر مرة أخرى لما لهما من قبول شعبي و رسمي.
و بعد قدوم أمريكا للمنطقة -محاربة الإرهاب و مبشرة بجنتها الديموقراطية للشرق الأوسط-عادت المطالبات مرة أخرى ضمن حزمة “حقوق المرأة” في الصحافة السعودية و بين جدران مجلس الشورى ، ورد العلماء وطلبة العلم و غيرهم على ذلك ببيان أن قيادة المرأة للسيارة تفضي إلى مفاسد عظيمة أكثر من المصالح المرجوة وبناء على ذلك فهي محرمة سدا للذرائع أي لما تعلق بها لا لذاتها. فالخلاف إذن بين الطرفين متعلق بحساب المصالح و المفاسد و رجحان إحدى الكفتين.
و حساب المصالح و المفاسد في هذه القضية المتشعبة يحتاج إلى دراسة متأنية و بحث جاد و مسح إحصائي لجوانبها وآثارها الاجتماعية و الأخلاقية و الاقتصادية و المرورية … الخ ،مع اعتبار قضايا أخرى لها علاقة قوية بهذا الأمر : كأثر وجود السائق الأجنبي و تزايد معدل التحرش الجنسي في الشوراع و التهاون الشديد بالأنظمة المرورية و مصائب سيارات الأجرة و خطط النقل العام داخل المدن كالقطارت و غير ذلك، وتكون هذه الدراسة تماما كما يسمى ب”دراسة الجدوى” التي تقوم بها الشركات لمشاريعها الكبرى منفقة كثيرا من الجهد و الوقت و المال في سبيل ذلك.
و بعد أن تتكامل الرؤية و تتضح جليا المصالح و المفاسد ؛ تكون الشريعة الإسلامية هي الحاكمة في ترجيح إحدى الكفتين بناء على الضرورات الخمس التي جاء الإسلام بحفظها : الدين و النفس و العقل و العرض و المال.
و لا أظن أن أحدا من المؤيدين أو المعارضين سيعترض على فكرة أو نتيجة الدراسة إذا كانت ملمة بالقضية محايدة مليئة بالحقائق و الأرقام و التحليل العلمي المنطقي دون الأحكام المسبقة و الأهواء المعلبة. و هذا يتطلب أن يصرف فيها كثير من الجهد و الوقت و المال، فهي تستحق ذلك بلا شك.
وبعد ذلك أيضا يمكن أن تتخذ بعض الإجراءات والضوابط التي تحقق كثيرا من المصالح و تجتنب كثيرا من المفاسد سواء أقرت قيادة المرأة للسيارة أم لا.الأهم من ذلك كله أن يعالج تزايد التحرش العلني والمعاكسات التي يقوم به بعض الشباب للفتيات ، وأن يضبط النظام المروري و يطبق بحزم فقد أوجعنا و أفحعنا كثرة مصابي و قتلى الحوادث.


14 comments
Comments feed for this article
اغسطس 23, 2008 في 1:04 م
محمد المغلوث
يهمنا قبل الشروع في البحث عن قيادة المرأة للسيارة إيجاد حلول مجدية لمسألة الزحام في الشوارع !
من الغباء أن نتهرب من قضية بسيطة لنقع في مشكلة أعظم !!
اغسطس 23, 2008 في 5:58 م
عبدالرحمن الشريف
لعلي أكون من الآن من ضمن المؤيدين لهذه المشروع وأرَضى بنتيجته ، إذا كان كما ذكرت .
يبقى أن البعض يحب المخالفة لأجل المخالفة .. ولأجل استعراض العضلات ، والهروب من تبعات الأفكار البناءة ..
اغسطس 24, 2008 في 2:27 م
تركي الشريف
أحسنت..
هل تظن أن بإمكاننا إجراء مثل هذا النوع من الدراسات؟!!
إذن لأصبحنا دولة صناعية..
اغسطس 24, 2008 في 3:33 م
الديمة
الغريب أننا من سنوات نعيد طرح الموضوع
ولم نوجد البدائل الكثيرة المتاحة
ولم نقدم مشاريع تحل المشكلة
مثلا دائما أفكر بشركة نقليات مرتبة ومنظمة أرقى من التاكسي و فيها ضمانات وأمان ..
هذي تحل جزء من المشكلة
فالمرأة لاتريد السيارة بحد ذاتها بقدر ما أنها تريد من ينقلها في أوقات دقيقة ولأماكن متعددة بلا (منّة) من المحارم الذين أصبحوا في بعض المجتمعات (أشباه رجال) حين تخلوا عن الشهامة والنخوة..
اغسطس 25, 2008 في 8:52 ص
نادر
لك أن تدرك أخي محمد مدى ذلك .. عندما تقارن بين طرح الصحافة لهذين الموضوعين ..
و بالعموم النظام المروري كاملا يحتاج الى اصلاح و ضبط .. ومشكلة الزحام أحد فروع ذلك ..
اغسطس 25, 2008 في 8:54 ص
نادر
وايضا ابو فارس .. لأجل حب الظهور و الشهرة .. بأيسر الطرق ..
اغسطس 25, 2008 في 8:58 ص
نادر
مرحبا تركي ..
دراسة الجدوى تجريها غالب شركاتنا لمشاريعها ..
و الأمر ليس صعبا لكن يحتاج من يعلق الجرس ..
اغسطس 25, 2008 في 9:26 ص
نادر
” الديمة ” ..
لا غريب على العرب ..
كثير ممن يعيدون طرح الموضوع لا يهمهم حل المشكلة .. يهمهم سفور المرأة بأي طريقة ..
فقيادة السيارة عندهم وسيلة لسفور المرأة .. وليست لحل مشكلة النقل ..
اغسطس 26, 2008 في 12:30 م
ظمأ القلب
ستحدثُ الفوضى العارمة اذا مـا طبق نظام السواقة للمرأة
وخصوصاً أنا أبنائنا يتمتعون بــ ” الأدب ” الضاهي
لذلك لن يتعرضوا لـ النساء ولا لـ الفتيات المراهقات ..
ما الفرق بيننا وبين الغرب في ” تفتحهم ” على الأشياءِ الغبية !
وكما قال الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود
( فيما يدعون من حقوق المرأة .. فهؤلاء لا نراهم يحترمون المرأة في بلادهم ،
نرى المرأة مهانة وتطلب الرزق بشرفها ، بينما في هذا الوطن يدفع الإنسان حياته
في سبيل الحفاظ على كرامة وشرف المرأة )
أتمنى أن تبقى المرأة معززة مكرمة يا أولياء الوطن ..
اغسطس 26, 2008 في 3:50 م
صوت الحياة
//
بعض الفتيات ترغب في القيادة ..
لمجرد أنها تريد فقط ..
يمكن ” عناد ” لرفض المجتمع ! ..
والبعض لظنها أنها سترضي ذاتها ! ..
.
.
طرح ممتع ..
//
اغسطس 27, 2008 في 9:20 ص
نادر
“ظمأ القلب” ..
في أمريكا و غالب دول اوربا تحصل المرأة على راتب أقل من الرجل مع انهما في نفس الدرجة و بنفس المؤهلات ..
و قد يصل الفرق الى حوالي الثلث .. مع أن المرأة غالبا أكثر ولاءا لشركتها و عملها ..
و مع ذلك يركزون على سلبيات مجتمعنا في مجال حقوق المرأة .. ويتناسون ايجابياته ..
” و الانصاف عزيز ” ..
****
” صوت الحياة” ..
يمكن أن توفر أماكن لتعليم المرأة القيادة و ترضي رغبة بعض الفتيات في هذا ..
فقد تحتاج هذا يوما ما كما فعلت “رويدا” ..
اغسطس 27, 2008 في 11:41 م
زجاجة عطر
عزيزي أخشى أن يكون الوقت الذي نقضيه في هذه الدراسة سنوات عديدة وتوضع النتائج على الأرفف فيما توزع الملايين على المشاركين الأفاضل .
أنا أدعم اقتراحك ، لكن قبل ذلك أوجدوا لنا مراكز بحثية متخصصة تواكب هذا الخرق الواسع في نسيج مجتمعاتنا المترهلة .
- ألا تظن أن هذه القضية هي ملف ساخن يتداوله تياران في هذا البلد ، تصفية حسابات ، ومرحلة للتغير مقصودة في ذاتها ، القيادة ظاهرة لشيء أكبر منها ..
اغسطس 28, 2008 في 1:46 م
نادر
” زجاجة عطر ”
فعلا نحتاج إلى مراكز بحث متخصصة .. فكيف نعالج مشكلة البطالة و نحن لا نعرف النسبة الحقيقة للبطالة ..
و قل مثل ذلك عن ” نسبة المطلقات ” و ” أسباب الطلاق” .. و غيرها من القضايا المهمة ..
فالمعلومات هي أساس لحل المشكلات .. و هو ما نفتقده للأسف ..
أما النقطة الأخيرة فهو كذلك و لا شك أو ظن .. لكن ما العمل ؟ الحق يقبل من ابليس – مع الحذر و النظر – فكيف بمن هو دونه ؟
و من مصلحة طرف معين أن يطول الصراع حول قيادة المرأة و غيرها و يتأخر الحسم ..
السيل العارم يحتاج إلى قنوات لتصريفه و تفريقه .. و إلا هدم جدرنا و بيوتنا كلها ..
سبتمبر 10, 2008 في 3:31 م
سامي البشيري
لابد للمرأة من قيادة السيرة عاجلا أم آجلاً ،،،
فبدلا من أن نقضي وقتنا في المنع والصد ، لنبحث عن آلية نستطيع من خلالها توعية المجتمع بكيفية التعامل مع المرأة لتي تقود السيارة !