روى الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في رحلته حول العالم الاسلامي لتعريف المسلمين بقضية فلسطين .. انه صادفه العيد في اندونيسيا وكان ضيف الحكومة الاندونيسية، التي اسكنته في افخم الفنادق و وضعت له دليلا و سيارة خاصة تحت يده ، و كان – بالرغم من هذا الذي يظنه الناس نعيما- مكتبئا حزينا لبعده عن زوجته و بناته الاثيرات جدا على قلبه و لانه لا يعرف لغة القوم ،فكان يقضي الأيام و لم يتحدث لأحد ، فكل تعامله معهم بالاشارات و الكلمة السحرية ( نو سبيكن).
فخرج رحمه الله الى الشوارع ليرى احتفال الاندونيسيين بيوم العيد، لعله يخفف ما يحس من غربة و وحدة و شوق لرؤية بناته و زوجه .. وفي احدى الحدائق رأى طفلة تدل ثيابها على فقرها وحاجتها .. رآها تقف قريبا من بائع الحلوى و في عينيها ألم الحرمان و هي ترى أقرانها فرحين بثيابهم الجديدة وبحلواهم الملونة اللذيذة ..
فاشترى الشيخ شيئا من الحلوى ومده مع بعض المال لهذه الطفلة التي غمرها فرح بالغ وأقبلت العجوز أمها تشكر الشيخ بحفاوة و امتنان كبيرين ، تشكره بالكلام والاشارات .. فانتقلت مشاعر السعادة والرضا والفرح الى نفس الشيخ لتطرد عنه الضيق والكرب و أحاسيس الغربة ..
هذه الصفقة الرابحة بكل المقاييس يغفل عنها جمع من اللاهثين وراء السعادة ، ينفقون الأموال والأوقات و أشياء أخرى لتحصيلها .. والأمر أقرب من ذلك بكثير .. أن تزور بالسعادة قلوب الناس ،لترجع فلتبيت في قلبك .. ربما بفعل بسيط أو كلمة أو ابتسامة .. والسرور الذي تدخله على قلب أخيك .. سيدخل قلبك بلا شك لأن الله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملا ..و كذلك الحزن و الضيق الذي ترمي به الناس _ و حاشاك _ سيرتد ليدمي فؤادك ولو بعد حين .. و الجزاء دوما من جنس العمل ..
و اعظم لذاذات الدنيا ان تحس بالرضا الداخلي و الامن و الراحة النفسية لان الاموال والقصور لن تنفعك وانت مكئتب مضطرب متوتر قلق .. وهل جزاء الاحسان الا الاحسان ..


9 comments
Comments feed for this article
يوليو 20, 2008 في 3:35 م
عبدالرحمن الشريف
دليل ومفتاح لمعرفة أين تكمن لذة المال .. هل هي في جمعه وكنزه ؟! أم في تصريفه وبذله؟! أم بين هذه وتلك ؟!
أذهبت كثيرا من الوساوس بهذا الطرح الجميل الهادئ هدوء هذه الجزيرة..
أخوك الصغير
يوليو 20, 2008 في 7:41 م
نادر
تجد كثيرا من يلهثون خلف كنز المال لا يتغير في حياتهم الا ارقام الكترونية في البنوك ..مجرد تفاخر ربما أو اثبات للقدرة على تحصيله .. (لقد أوتيته على علم عندي ) ..
ممتن لتواجدك أبا فارس ..
يوليو 20, 2008 في 11:28 م
الحياة ببساطة معقدة
ولهذا أخي نادر كان من أعظم الأعمال عند الله سرور تدخله على قلب مسلم..
بالضبط هذا ه الرد العكسي لفعل إسعاد الروح يكون غالبا أكثر منه في المقدار ومعاكسا له في الاتجاه ويزيد عليه أثرا مدخرا يوم الحساب..
لكن يبقى هذا الفعل مؤثرا فقط في القلوب الحية..
تحياتي..
يوليو 21, 2008 في 10:28 م
نادر
هذا من القوانين ” البسيطة ” في الحياة ” المعقدة ” ..
شكرا لمرورك تركي ..
يوليو 30, 2008 في 8:31 م
الحياة ببساطة معقدة » Post Topic » أعظم الجود..الجود بالدماء..
[...] تتبرع شئ جميل….وكما قال نادر: ثمن قليل لكثير ثمين.. الأجمل من هذا أن تعلم أن قيمة تبرعك تزيد كلما قلت [...]
اغسطس 4, 2008 في 1:19 م
زجاجة عطر
هذا الشعور ليس حصرا على المسلمين فقط
بل أذكر أني قرأت كتابا لأحد المفكرين الغرب ، يؤكد فيه أن من أسباب السعادة هي الإحسان للآخرين وأن تجعل وقتا للإحسان إليهم …
هذا مع يقيننا أننا نثاب بهذا التصرف ، ومع هذا أصبح الضعيف اليوم يسرق بل ويستغل …
مشاري
اغسطس 5, 2008 في 12:10 ص
نادر
هذا و هم بعيدون عن اهم اسباب طمأنينة القلب : ذكر الله .. يصلون الى شئ من السعادة بالاحسان ..
شكرا لاضافتك اخوي مشاري ..
اغسطس 10, 2008 في 12:01 م
على وين
ماأجمل الفكرة حين تكون مجربة وواقعية ..
و ماأجمل كتابات الشيخ الطنطاوي رحمه الله ..
و اختيارك موفق أخي ..
اغسطس 10, 2008 في 10:13 م
نادر
شكرا لمرورك أخوي “على وين ” ..